السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

58

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وليس ينبغي أن يغفل عن أن أصل الالتفات يبدأ من أول الآية فإن الآيات السابقة كانت تخاطب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وتأخذ المشركين على الغيبة وتكلمهم بوساطته من غير أن تواجهه بشيء من الخطاب يخص نفسه ، وقد حوّلت هذه الآية وجه الكلام إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بما يخص به نفسه فقالت « وما تكون من شأن ولا تتلوا منه من قرآن » ثم جمعته والمشركين وغيرهم جميعا في خطاب واحد فقالت « وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً » وذلك بضمهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهم على غيبتهم وبسط الخطاب على الجميع بنوع من التغليب كما تقول لمخاطبك : أنت وقومك تفعلون كذا وكذا . والدليل على أن هذا الخطاب بنحو الضم والتغليب قوله بعده : « ولا يعزى عن ربك » الخ ؛ فإن يكشف عن كون الخطاب معه صلّى اللّه عليه وآله وسلم جاريا على ما كان . وعلى أي حال فالتحول المذكور في خطاب الآية للإشارة إلى أن السلطنة والإحاطة التامة الإلهية واقعة على الأعمال شهادة وعلما على أتمّ ما يكون من كل جهة من غير أن يستثنى منه نبي ولا مؤمن ولا مشرك أو يغفل عن عمل من الاعمال فلا يتوهمن أحد أن اللّه يخفي عليه شيء من أمره فلا يحاسبه عليه يوم القيامة ، وليكن هذا هو ظنه بربه يوم القيامة وليأخذ حذره . وذكر تلاوة القرآن مستقلا مع دخوله في قوله قبلا : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ فإنه أحد شؤونه صلّى اللّه عليه وآله وسلم للايماء إلى أهمية أمرها ومزيد العناية بها . وفي الآية أولا تشديد في العظة على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعلى أمته ، وثانيا : أن الذي يتلوه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من القرآن للناس من وحي اللّه وكلامه لا يطرقه تغيير ولا يدب فيه باطل لا في تلقيه منا للّه ولا في تلاوته للناس فالآية قريبة المضمون من قوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ ( الجن / 28 ) .